محمد كرد علي
328
خطط الشام
وأظهر أن القراءة مما لا تسمح له به أوقاته الثمينة ، وكان يدفن أمواله في الأرض ، حتى لا يظهر عليها الناس إذا وضعت في المصرف ، فظهر منها ألوف بعد أن أصيب بنكبة اضطرته إلى نبشها . وبلغ الشح ببعضهم أنه كان يطعم خدامه وأولاده طعاما غير ما يطعمه نفسه وزوجه ، ويدعي مع كل من يجتمع إليه أنه فقير مملق ، لا طاقة له على تحمل شيء ، فلما اضطر إلى الكشف عن دفائنه كانت ألوفا عدا ما يسلفه بالربا الممقوت أضعافا مضاعفة وعدا مزارعه وحدائقه . ومن الغريب أن يتطوع مثل هذا الرجل الذي رد إلى أرذل العمر في الجاسوسية وهو يتظاهر بالتقوى . وأكثر هؤلاء الأشحة يظهرون في العامة بمظهر المتصدقين والمحسنين ، كأن تجود نفوسهم ببعض دريهمات لبعض المستكدين على رؤوس الأشهاد ، ليقال عنهم إنهم أهل خير وصلاح . وهناك رجل كذب على قومه طول حياته الطويلة ، بنسبه وعلمه وتقواه ، فلم يعدم بين ضعاف العقول من صدقوه في دعاويه ، وعاش بمداهنة الناس وبلغ من ثقة القوم به أنه إذا حانت منية أحدهم ، يلوب على من يأتمنه على أولاده بعده ، فلا يجد غير هذا المزوّر يقيمه وصيا على عياله لما اشتهر من أمانته بين السذج في كل دور ، فلا يلبث مال الموصي أن يمزق بيد الوصي . وهكذا كان هذا الدعي بعد نصف قرن من المشار إليهم المجمع على تكريمهم ، وقد عرف أيام تولى القضاء بتبرئة المجرم وتجريم البريء . ومن العجب أنه لم يسأله أحد من أين جاء بثروته ، والعادة على الأكثر أن لا يسأل الغني عن طرق غناه بل يتمسح به ويتبرك بأنفاسه ، ولو كان لا ينزل منه عن قطمير لأحد . ظهر كثير من العامة في حوادث وقعت بمظهر الغيراء على المصالح الوطنية ، وأبانوا عن حمية وأريحية ما كان يرجى صدور مثلهما من أرباب الطبقة العليا ، ولا ممن اعتادوا أن يجعلوا من الأديان سلما إلى درك شهواتهم ، وقام من صفوف الأميين وأهل المتربة أناس جعلوا هدفهم ما اعتقدوه حقا نافعا مخلصين في أقوالهم وأفعالهم ، معتقدين الخير فيما بذلوا أنفسهم ونفائسهم في سبيله . وتجلى النبوغ في أفراد منهم بحكم قانون الرجعة ، فأثبتوا في الشدائد بهذا الشرف المغيب أنهم ربما كانوا من سلالة عظماء أكارم . وهناك أناس ظاهرهم مهذب براق آثروا